محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

330

بدائع السلك في طبائع الملك

قال : وكان في كل فن منها كأنه لا يعرف سواه . قال : وبالجملة فان مجموع ما كان يعلمه من العلوم ، لم يسمع من أحد ممن تقدمه أنه كان قد جمعه . ولقد جاءنا الشيخ أثير الدين المفضل أبو علي الأبهري صاحب التعليقة في الخلاف والتصانيف المشهورة من الموصل إلى أربل في سنة خمس وعشرين وستمائة ، ونزل بدار الحديث . وكنت أشتغل عليه بشيء من الخلاف ، فبينما أنا يوما عنده ، إذ دخل عليه بعض فقهاء بغداد ، وكان فاضلا ، فتجاريا في الحديث زمانا . وجرى ذكر الشيخ كمال الدين فقال له الأثير : لما حج الشيخ كمال الدين ، ودخل بغداد ، كنت هناك ؟ فقال : نعم . فقال كيف « 263 » كان اقبال الديوان العزيز عليه ؟ فقال ذلك الفقيه : ما أنصفوه على قدر استحقاقه . فقال الأثير : ما هذا الا عجب ، والله ما دخل بغداد مثل الشيخ . فاستعظمت منه هذا الكلام . وقلت : له يا سيدي كيف تقول هذا ؟ فقال : يا ولدي ، ما دخل بغداد مثل أبي حامد « 264 » والله ما بينه وبين الشيخ نسبة . وكان الأثير على جلالة قدره في العلوم ، يأخذ الكتاب ، ويجلس بين يديه يقرأ ، والناس يوم ذلك مشتغلون في تعاليق « 265 » الأثير . ولقد شاهدت هذا بعيني ، وهو يقرأ عليه ، كتاب المجسطي . قال : ولقد حكى لي بعض الفقهاء . انه سأل الشيخ كمال الدين عن الأثير ومنزلته في العلوم . فقال : لا أعلم . فقال : وكيف هذا يا مولاي ، وهو في خدمتك منذ سنين عديدة ، ويشتغل عليك ؟ فقال : اني مهما قلت بحثا ، تلقاه بالقبول ، وقال : نعم يا مولانا ، فما راجعني في بحث قط ، حتى أعلم حقيقة فضله . قال ابن خلكان : ولا شك أنه كان يعتمد هذا القول مع الشيخ تأدبا ، وكان عنده بالمدرسة البدرية وكان يقول : ما تركت بلادي وقصدت الموصل

--> ( 263 ) فكيف . ( 264 ) وفيات : أبي حامد الغزالي . ( 265 ) مروج ، س : تصانيف .